الشيخ محمد علي طه الدرة

466

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه

المشاعر أراه إيّاها ، فقال : قد عرفت . وقيل : لأنّ الناس يتعارفون فيها ، إذا أوقفوا جميعا في اليوم التاسع من شهر ذي الحجة ، وقيل : لأن آدم - عليه السّلام - لمّا هبط في الهند ، وحواء - عليهاالسّلام - هبطت بجدّة ، فاجتمعا بعد طول الطلب بعرفات يوم عرفة ، وتعارفا ، فسمّي اليوم : عرفة ، والموضع : عرفات . واللّه أعلم بحقيقة ذلك . والظاهر أنّ اسمه مرتجل كسائر أسماء البقاع . وعرفة هي نعمان الأراك ، وفيها يقول الشاعر : [ الطويل ] تزوّدت من نعمان عود أراكة * لهند ، ولكن من يبلّغه هندا وقيل : مأخوذ اسمها من العرف ، وهو الطّيب . قال تعالى في سورة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم : وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ أي : طيّبها ؛ بخلاف « منى » التي فيها الفروث ، والدّماء . هذا ؛ والوقوف بعرفات هو الرّكن الهامّ في الحج ، قال الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم : « الحجّ عرفة ، فمن أدرك عرفة فقد أدرك الحجّ » . ووقت الوقوف بعرفة من زوال الشّمس يوم التاسع إلى طلوع الفجر صباح العيد . وانفرد الإمام أحمد - رحمه اللّه تعالى - بجواز الوقوف من أوّل يوم عرفة ، وحديث عروة بن مضرّس - رضي اللّه عنه - مشهور مسطور ، والجمع بين الليل ، والنهار في موقف عرفة سنة عند الشّافعي ، وواجب عند أبي حنيفة ولازم عند مالك ، وأحمد . يقول بقول الشافعي ، والأحسن والأفضل الجمع بين اللّيل والنهار للتّوفيق بين جميع المذاهب ، وعليه العمل الآن ، فلا يدفع أحد من عرفة إلا بعد غروب الشمس . هذا ؛ وتصلّى صلاة العصر مع الظّهر في يوم عرفة جمع تقديم مع القصر . هذا ؛ وعرفة كلّها موقف إلا بطن عرنة ، فمن وقف فيه ، واقتصر عليه ؛ فلا يصحّ حجّه . فَاذْكُرُوا اللَّهَ : أي : بالدعاء ، والتلبية ، والتهليل ، والتكبير . عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ : جبل صغير في المزدلفة ، يقال له : قزح . والمشعر : المعلم ؛ لأنه معلم للعبادة ، وصف بالحرام لحرمته ، وتعظيمه ، وسميت تلك الأرض : المزدلفة ، وجمعا ؛ لأن آدم اجتمع فيها مع حواء ، وازدلف إليها ؛ أي : ودنا منها . أو لأن الحاج يجمع فيها بين صلاتي المغرب ، والعشاء جمع تأخير مع قصر العشاء فقط ، أو لأن الناس يزدلفون فيها إلى اللّه ، يتقرّبون بالوقوف ، والدّعاء فيها . والمبيت بمزدلفة يدخل وقته بنصف ليلة العيد إلى طلوع الفجر ، وليس ركنا من أركان الحج ، فمن فاته الوقوف فيه يذبح شاة ، انظر الدماء في الآية رقم [ 196 ] . ومزدلفة كلها موقف إلا بطن محسّر ؛ قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « عرفة كلّها موقف ، وارتفعوا عن بطن عرنة ، والمزدلفة كلّها موقف ، وارتفعوا عن بطن محسّر » . أخرجه مالك في موطّئه . وَاذْكُرُوهُ : بالدعاء والتلبية . . . إلخ . كَما هَداكُمْ : أي : لهدايتكم ، أو لهدايته إيّاكم ، إلى الخير ، والأعمال الصّالحة . ففيه تنبيه لهم على ما أنعم اللّه به عليهم من الهداية ، والبيان ، والإرشاد إلى مشاعر الحجّ ، على ما كان عليه من الهداية لإبراهيم الخليل ، على نبينا ، وعليه ألف صلاة ، وألف سلام ، ولهذا قال : وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ أي : من